بهاء الدين الجندي اليمني

221

السلوك في طبقات العلماء والملوك

الخروج فقد ثبت لنا عن جماعة من الصدور أنه كان يدرس المذهبين مع غلبة أحدهما عليه . ولما صار صدرا لمذهب أبي حنيفة كان يقول : رحم اللّه أبا إبراهيم ، يعني خاله ، لو كان حيّا لكفر عن يمينه ، يعني قوله : واللّه لا أفلحت ، وقد مضى . قال شيخنا رحمه اللّه : ما أراه كان يكفر عنها لأنه لم يفلح ، إذ المعتقد أنه انتقل من الصواب إلى الخطأ ، فمن يعتقد فيه ذلك لم تجب الكفارة على عدم فلاحه « 1 » وكانت وفاته ، يعني الطحاوي ، بأحد شهور سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . وأمّا شيخ الطحاوي في المذهب « 2 » فهو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن « 3 » عمرو بن إسحاق المزني ، نسبة إلى قبيلة من العرب تسمى مزينة : بضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء مثناة من تحت وفتح النون ثم هاء ، وهم جمع كثير ، وأصل بلده مصر ، وكان إمام الشافعية وأعرفهم بمذهبه وأنقلهم لأقواله ، وكان زاهدا ورعا محجاجا مجتهدا غوّاصا على دقائق الفقه عالما بجلائله . قال الأنماطي « 4 » قال المزني : أنا منذ خمسين سنة انظر في كتاب الرسالة للشافعي ما نظرت فيه مرة إلّا استفدت منه فائدة لم أستفدها قبل ذلك ، وكان كثير العبادة لزوما للسنّة ، من أعرف الناس بإرادة الشافعي ، وفيّا بحيث يقدم نقله عنه على كل نقل ، وذلك لعدالته وتحقيقه لمذهبه ، وعنه وبه انتشر مذهبه انتشارا كاملا ، قال الشافعي في حق المزني : « ناصر مذهبي » ، وله عدة مصنفات ، منها الجامعان الصغير والكبير ، ومختصر المختصر ، والمنثور ، والمسائل المعتبرة ، والترغيب في العلم ، وكتاب الوثائق ، وكان في أثناء تصنيفه في كتابه المختصر كلما فرغ مسألة « 5 » قام إلى المحراب ، وصلّى ركعتين شكرا للّه ؛ وانتفع الناس بهذا المختصر انتفاعا لم يكن له نظير ، وأقام أهل مذهب الشافعي عليه عاكفين وله دارسين وبه مطالعين دهرا ، ثم كانوا بين شارح مطوّل ومختصر مقلّل والجميع منهم معترف أنه لم يدرك من حقائقه غير

--> ( 1 ) هذا القول من التعصب المذهبي أعاذنا اللّه منه وحمل الناس على السلامة وحسن الظن بهم ، من إيمان الرجل وعقله ، وكل المذاهب على هدى إلا من شذ وخالف السنة والكتاب . ( 2 ) في « ب » مذهب الشافعي . ( 3 ) في « ب » زيادة ابن يحيى بن إسماعيل . ( 4 ) الأنماطي : هو أبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار الأحوال الفقيه الشافعي ، وتوفي في شوال سنة ثمان وثمانين ومائتين ببغداد . الوفيات ج 2 ص 406 وتأتي ترجمته للمؤلف . ( 5 ) كذا في الأصلين ، ولعل العبارة ( كلما فرغ من مسألة ) .